تُعد العدالة الجنائية الركيزة الأساسية لاستقرار المجتمعات، إذ لا يتحقق الأمن القانوني إلا من خلال نظام إثبات فعّال يضمن الوصول إلى الحقيقة القضائية، وذلك بإقامة الدليل على وقوع الجريمة ونسبتها إلى مرتكبها، وفق ضوابط قانونية تحقق التوازن بين مصلحة المجتمع في مكافحة الجريمة وضمانات الأفراد في حماية حقوقهم وحرياتهم.
وقد شهد نظام الإثبات الجنائي تطورًا ملحوظًا في ظل الثورة الرقمية المتسارعة، التي أدت إلى ظهور أنماط جديدة من الجرائم، لاسيما في جرائم الفساد المالي والإداري، فلم تعد هذه الجرائم تُرتكب بالوسائل التقليدية وحدها، بل أصبحت تعتمد بشكل متزايد على أدوات تقنية متطورة، يعزز ذلك نوعًا جديدًا من الأدلة يُعرف بـ “الدليل الرقمي”. الذي احتل مكانة محورية في الإثبات الجنائي في الوقت الحاضر، لقدرته على كشف الوقائع الخفية وتتبع الأنشطة غير المشروعة في الفضاء الالكتروني.
غير أن الاعتماد على هذا النوع من الأدلة يثير إشكاليات قانونية وفنية معقدة، تتعلق بطبيعته غير المادية، وقابليته للتعديل أو الإتلاف، ومدى حجيته في الإثبات، والضوابط التي تحكم جمعه وتحليله وتقديمه أمام القضاء، فضلاً عن التحديات المرتبطة بحماية الخصوصية والحقوق الأساسية.
وتزداد هذه الإشكاليات وضوحًا في النظام القانوني اليمني، حيث يغيب التنظيم التشريعي المتكامل الذي ينظم الدليل الرقمي بشكل صريح، وذلك يثير تساؤلات جوهرية حول مشروعيته وقيمته الثبوتية، ودور القضاء في تقديره، وذلك على النقيض من التجارب التشريعية المقارنة التي قطعت شوطًا متقدمًا في هذا المجال.
ومن هنا تنبع أهمية هذه الدراسة، التي تسعى إلى تحليل الإطار القانوني لحجية الدليل الرقمي في إثبات جرائم الفساد المالي والإداري في القانون اليمني، من خلال دراسة تحليلية مقارنة مع بعض التشريعات العربية، بهدف الوقوف على أوجه القصور التشريعي، واقتراح حلول عملية تسهم في تطوير منظومة الإثبات الجنائي بما يتلاءم مع متطلبات العصر الرقمي.




